محمد بن علي الشوكاني

644

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

ذلك من الأدلة حتى أعمل به وليس هذا من التقليد في شيء لأنه لم يسأله عن رأيه بل عن روايته ، ولكنه لما كان لجهله لا يفطن ألفاظ الكتاب والسنة وجب عليه أن يسأل من يفطن ذلك فهو عامل بالكتاب والسنة بواسطة المسؤول . ومن أحرز ما قدمنا من العلوم [ عمل بها ] « 1 » بلا واسطة في التفهيم ، وهذا يقال له مجتهد والعاميّ المعتمد على السؤال ليس بمقلد ولا مجتهد بل عامل بدليل بواسطة مجتهد يفهمه معانيه وقد كان غالب السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين هم خير القرون من هذه الطبقة ولا ريب أن العلماء بالنسبة إلى غير العلماء أقلّ قليل . فمن قال إنه لا واسطة بين المقلد والمجتهد قلنا له قد كان غالب السلف الصالح ليسوا بمقلّدين ولا مجتهدين ، أما كونهم ليسوا بمقلدين فلأنه لم يسمع عن أحد من مقصّري الصحابة أنه قلّد عالما من علماء الصحابة المشاهير بل كان جميع المقصّرين منهم يستروون علماءهم نصوص الأدلة ويعملون بها وكذلك من بعدهم من التابعين [ 280 ] وتابعيهم ، ومن قال إن جميع الصحابة مجتهدون وجميع التابعين وتابعيهم فقد أعظم الفرية وجاء بما لا يقبله عارف ، وهذه المذاهب والتقليدات التي معناها قبول قول الغير دون [ حجّة ] « 2 » لم تحدث إلا بعد انقراض خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم : وخير الأمور السالفات على الهدى * وشرّ الأمور المحدثات البدائع وإذا لم يسع غير العالم في عصور الخلف ما وسعه في عصور السلف فلا وسّع اللّه عليه . وهذا عارض من القول اقتضاه ما قدمناه فلنرجع إلى ما نحن بصدده من ترجمة هذا السيد الإمام فنقول وهو شاهد على ما قدمنا ذكره : إن صاحب الترجمة لما ارتحل إلى مكة وقرأ علم الحديث على شيخه ابن ظهيرة قال للسيد : ما أحسن يا مولانا لو انتسبت إلى الإمام الشافعي أو أبي حنيفة فغضب وقال لو

--> ( 1 ) في [ ب ] عامل بهما . ( 2 ) في [ ب ] حجته .